يوسف المرعشلي

92

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

الإسلام ، وتقاوم الإلحاد المعبّر عنه في لسان العصر بالجمود أو الرجعية . ولما تعرض صديقه أحمد زكي باشا للمأمون وغمزه أخذ يعالجه بالوسائط المنوعة حتى اعتدل وعاد للانتصار للعرب ومدنيتهم قائلا : إنه لا سبيل إليه إلا أن يعود إلى سيرته الأولى التي لم ينل شهرته إلا بها . ولما سمّي البرلمان بمصر باسم إفرنجي وعدلوا عن تسميته بدار الندوة ، أسف أن سمّي أكبر مظهر من مظاهر الاستقلال باسم أعجمي مع وجود الاسم العربي عند العرب من زمن الجاهلية . كان من عادته أن يتبسّط في الحديث مع خاصته تبسّطا لا يخرجه عن حدود الأدب والدعابة البريئة والنكات والتنادر ، ثم ينقلب إلى البحث في الكتب مطبوعها ومخطوطها ، وفي المؤلفين وما يؤلفون ، وفي الكتّاب وما يكتبون . يخوض في كل ذلك من الجد بذوق وشوق وتقدير ، لا يخص مصر فقط بعنايته ، بل يعنى بسياسة غيرها عنايته بسياستها . وكان غرامه بصداقة رجال العلم والأدب من أهل عصره على اختلاف مذاهبهم يوازي غرامه بكتب علماء السلف ، فهو يحب الأحياء كما يحب الموتى ، ولما سكن الإمام محمد عبده في عين شمس اتخذ دارا في جواره مدة ، ونقل إليها خزانة كتبه . فلما انتقل الإمام إلى جوار ربه اسودّت الدار في عينيه فانتقل إلى جهة أخرى ، وعرض دار عين شمس للبيع ، وبادر فنقل خزانته إلى إحدى مزارعه في قويسنا من عمل المنوفية ، وكانت هذه المزرعة محببة إلى أبيه وأمه فنشأ هو على حبها أكثر من جميع ضياعه . ولما ذكرت له ما ربما يصيب خزانته من الحريق وهي بالقرب من مساكن الفلاحين والقصب في سقوف دورهم طمنني بأنه ابتاع أرضا في الزمالك ، وأنه ينوي أن ينشئ فيها دارا لخزانة كتبه . وبعد أن أنجز بناءها نقلها من قويسنا وقضى فيها بقية أيامه . وكانت داره هذه كسائر الدور التي سكنها من قبل أرباب القرائح والعبقرية . ومن خلقه أن يشارك أصحابه في سعادتهم وشقائهم ، ويرمضه « 1 » أمرهم إذا نزلت بهم نازلة ، وكان الوفاء لأصحابه من أيسر صفاته . قلنا إنه كان يتصدق في السر بأن يجري مشاهرات على من قعد بهم الدهر عن الاكتساب ، ويفضل على بيوت كثيرة من المحاويج المساتير ، ويدرّ عليهم رواتب مقررة تأتيهم في بيوتهم رأس كل شهر ، ويأبى عليه شرفه ودينه ومكارمه إذاعة ما تجود به نفسه ، لذلك أخذ العهود على من كان يعطيهم ما يقوم بأودهم أن لا يذكروا أنهم يرزقون منه . ولما باح أحدهم بالسر لضغط شديد وقع عليه شقّ ذلك على هذا المحسن فقطع المشاهرات والإدرارات كلها متظاهرا بالضائقة ، وعاد بعد مدة يرسل بواسطة المصرف حوالات مالية بأسمائهم وهم لا يعرفون مصدرها ، بل إن المصرف نفسه لا يعرف حقيقة اسم المرسل ، ولذلك صح لنا أن نقول : إنه كان لا ينفق ماله على غير العلم وعمل الخير ، ويبالغ في كتمان صدقاته حتى لا تدري شماله بما فعلت يمينه ، وكانت أطيانه « 2 » تزيد ، وريعها ينمو ، ونعمته تفشو مع هذا البذل الكثير . ولئن كانت أحداث الأيام قد تفرّق بيننا بعض السنين ، لا سيما زمن الحرب العامة ، فما استطاعت أن تفرقنا بالمراسلة . وعندي من رسائله أكثر من مئة وأربعين رسالة هي في خزانتي أجمل ذخر وذكرى ، وفيها صورة من علمه وأدبه وخلقه ومنازعه ومراميه . وقد جاء في بعضها كلام جميل يجدر اقتباسه ، لأنه صادر من صديق إلى صديق يبوح له أبدا بذات نفسه ، فمنها ما كتبه عندما وجهت إليه رتبة الباشوية ، وكيف ضاق صدره بها ، وضاق صدره أيضا لما صدر الأمر الملكي بتعيينه عضوا في مجلس الشيوخ ، وحاول أن يستقيل غير مرة لولا حرصه على رضا الملك فؤاد الأول رحمه اللّه الذي أنعم عليه بالرتبة والعضوية بدون توسط أحد . دعاه إلى هذا التشريف فرط محبته لتيمور وتقديره لنبله وفضله . تولى أحمد تيمور أعمالا علمية عامة كانت في نظره ألذّ من كل مظهر : كان عضوا في مجلس دار الكتب المصرية ، وعضوا في المجمع المصري ، وعضوا في

--> ( 1 ) أرمضه : أوجعه وأحرقه . ( 2 ) أي ما يملك من الأراضي ، وهي في اللغة المصرية الدارجة .